ابن كثير

192

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

السلام ، فلما أتوه ، قال بنو أخي الشيخ : عمنا وجدناه مقتولا على باب مدينتهم ، وقال أهل المدينة : نقسم باللّه ما قتلناه ولا فتحنا باب المدينة من حين أغلقناه حتى أصبحنا ، وإن جبرائيل جاء بأمر السميع العليم إلى موسى عليه السلام ، فقال : قل لهم : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً فتضربوه ببعضها ، وقال السدي « 1 » : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قال : كان رجل من بني إسرائيل مكثرا من المال ، فكانت له ابنة ، وكان له ابن أخ محتاج ، فخطب إليه ابن أخيه ابنته ، فأبى أن يزوجه ، فغضب الفتى وقال : واللّه لأقتلن عمي ولآخذن ماله ، ولأنكحن ابنته ، ولآكلن ديته ، فأتاه الفتى وقد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل ، فقال يا عم ، انطلق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم لعلي أن أصيب منها ، فإنهم إذا رأوك معي أعطوني فخرج العم مع الفتى ليلا فلما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتى ، ثم رجع إلى أهله ، فلما أصبح جاء كأنه يطلب عمه ، كأنه لا يدري أين هو ، فلم يجده ، فانطلق نحوه ، فإذا بذلك السبط مجتمعين عليه ، فأخذهم وقال : قتلتم عمي ، فأدوا إليّ ديته ، فجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه وينادي وأعماه ، فرفعهم إلى موسى فقضى عليهم بالدية ، فقالوا له : يا رسول اللّه ادع لنا ربك حتى يبين لنا من صاحبه فيؤخذ صاحب القضية « 2 » ، فو اللّه إن ديته علينا لهينة ، ولكن نستحي أن نعير به فذلك حين يقول تعالى : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [ البقرة : 72 ] فقال لهم موسى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالوا : نسألك عن القتيل وعمن قتله ، وتقول اذبحوا بقرة أتهزأ بنا قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ قال ابن عباس : فلو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ، ولكن شددوا وتعنتوا على موسى ، فشدد اللّه عليهم ، فقالوا : ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ والفارض : الهرمة التي لا تولد ، والبكر التي لم تلد إلا ولدا واحدا ، والعوان النصف التي بين ذلك التي قد ولدت وولد ولدها فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ . قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها قال : نقي لونها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قال : تعجب الناظرين قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ . قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها من بياض ولا سواد ولا حمرة قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فطلبوها فلم يقدروا عليها ، وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه ، وإن رجلا مرّ به معه لؤلؤ يبيعه ، وكان أبوه نائما تحت رأسه المفتاح ، فقال له الرجل : تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفا ؟ فقال له الفتى : كما أنت حتى يستيقظ أبي فآخذه منك بثمانين ألفا ، قال الآخر : أيقظ أباك وهو لك بستين ألفا ، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفا ، وزاد الآخر على أن ينتظر أباه حتى يستيقظ حتى بلغ مائة

--> ( 1 ) تفسير الطبري 1 / 380 . ( 2 ) في الطبري : « صاحب الجريمة » .